ملا محمد مهدي النراقي
105
جامع السعادات
ما يخالفه ويؤلمه ، وإلى ما لا يؤثر فيه بالذاذ وإيلام ، فالقسم الأول يكون مرغوبا عند المدرك ، ويسمى رغبة ، وميله إليه حبا ، والقسم الثاني يكون منفورا عنده ، وتسمى نفرته عنه كراهة وبغضا ، والثالث لا يوصف بميل وكراهة ، فلا يوصف بكونه محبوبا ، ولا مكروها . ثم اللذة لما كانت عبارة عن إدراك الملائم الملذ ونيله ، فالحب الذي هو الميل والرغبة إليه لا يخلو عن لذة محققة أو خيالية ، وعلى هذا فيمكن أن تعرف المحبة بأنها ابتهاج النفس بإدراك الملائم ونيله ، هذا فإنك قد عرفت أن المدرك إن كان مما يستحسن حبه شرعا وعقلا ، كان كراهته وبغضه من الرذائل وحبه من الفضائل وإن كان مما يذم حبه ، كان بالعكس من ذلك . فصل تعلق الحب بجميع القوى والحب والكراهة لما كانا تابعين للادراك ، فينقسمان بحسب انقسام القوة المدركة ، التي هي الحواس الظاهرة ، والحواس الباطنة ، والقوة العاقلة . فمن الحب ما يتعلق بالحواس الظاهرة ، بمعنى أن المحبوب مما هو مدرك وملذ عندها ، كالصور الجميلة المرئية ، والنغمات الموزونة ، والروائح الطيبة ، والمطاعم النفيسة ، والملبوسات اللينة بالنظر إلى الخمس الظاهرة . ومنه ما يتعلق بالحواس الباطنة ، بمعنى أن المحبوب مما هو مدرك وملذ عندها ، كالصور الملائمة الخيالية ، والمعاني الجزئية الملائمة بالنسبة إلى المتخيلة والواهمة . ومنه ما يتعلق بالعاقلة ، بمعنى أن المحبوب مما هو مدرك وملذ عندها ، كالمعاني الكلية ، والذوات المجردة . ولا ريب في أن العقلي من الحب واللذات أقوى اللذات وأبلغها ، إذ البصيرة الباطنة أقوى من البصيرة الظاهرة والعقل أقوى إدراكا وأشد غوصا ونفوذا في حقائق الأشياء وبواطنها من الحس ، وجمال المعاني المدركة بالعقل أعظم من جمال الصورة الظاهرة الحسنة ، فتكون لذة العقل وحبه بما يدركه من الأمور الشريفة الإلهية التي جلت عن إدراك الحواس أتم وأبلغ ، ولذا جعل رسول الله ( ص ) الصلاة أبلغ المحبوبات عنده في الدنيا ، حيث قال : ( حبب إلي من دنياكم ثلاث : ج : 3